أبو حامد الغزالي
60
محك النظر
لشروط القياس واكتمال حدوده ما وفّره من شرح في الربويّ . وكيف يكون الزبيب بمعنى التمر . . . قبل أن تتّضح العلّة وهي الكيل والطعم ، والتي تستشفّ من المعنى وتساعد على الإلحاق يلفت الغزالي النظر بقوله : أما إذا ذكر نصّ من صاحب الشرع يمنع الإلحاق ، كما يرى ، فلا بدّ من وقف القياس ، أي لا يمكن قياس جزء على جزء . فإذا أصاب بول الصبيّ ثوبا ما ، يكفي رشّه بالماء . وبالوقت نفسه لا يمكن إلحاق الصبيّة به ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ذكر أن الصبيّة بخلاف الصبي فحسم الأمر « 1 » ، ومنع قياس الحالة على الحال فسقط الإلحاق . وذكر الغزالي أيضا مثالا فقهيّا لكيفيّة التعرّض للمعنى بعينه من دون الفوارق وحذفها ، فقال : « قولنا الوضوء طهارة حكميّة فتفتقر إلى النيّة كالتيمّم ، فإنّا لا نحصر لفوارق ولا نتعرض لحذفها ، بل تعرّضنا لمعنى جامع ، والفوارق كثيرة ، وليس الجامع مناسبا ولا مؤثّرا . . . » « 2 » . وملخص القول : إنّ الغزالي سخّر لخدمة المعاني الفقهية القياس المنطقيّ العقليّ بجوانبه المختلفة ، لسلجستي والتمثيل والتعليل والشرطيّ المنفصل . وجعل منها جميعا ضوابط وأطر للقياس الفقهيّ ، مرتكزها المعايير العقلية من حدّ مشترك وحدّ أكبر وغيرهما . وكان أفضل النماذج تعبيرا عن ذلك ، ردّه بعض الأقيسة إلى التمثيل لافتقاده الحدّ الأوسط فيها . وبهذا يتمحور استدلاله حول الحد الأوسط عماد السلجستي . فإن فقد فالجامع أو شبه الجامع يكون بين قضيّتين فرعيّتين وجزئيّتين . وأخيرا يمكن القول إن بنية كتاب المحك قد تبدّلت عن الكتب المنطقية التي سبقتها ، فغدت إسلامية الروح عربية الطابع اللغوي ، بعدا وتصورا .
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ص 90 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 91 .